عماد الدين خليل
305
دراسة في السيرة
( إن النبي لا يقتل بالإشارة ) . . هذا إزاء رجل كان قد ارتد وجاء يطلب الأمان ، فكيف برجال يشهدون خمس مرات في اليوم بشهادة الإسلام ؟ إنه كان بإمكانه صلى اللّه عليه وسلم أن يحصدهم في غداة واحدة ، إلا أن مقياسا دقيقا لمعرفة إيمان كل منهم لم يكن بيديه ، وإنما توكل السرائر للّه ، ويحاسب الناس بأعمالهم الظاهرة . . وهؤلاء منافقون وظاهرهم المكشوف ظاهر إسلامي ، على خلاف مع باطنهم ، فكيف يعاقبهم ؟ وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يدرك ، فضلا عن هذا البعد الأخلاقي ، أن ممارسة القتل الجماعي أو الفردي تجاه أناس من أتباعه ، محسوبين على معسكره ، سوف يعطي لأعدائه في الخارج سلاحا دعائيا ممتازا لمهاجمة الإسلام ، وقد أدرك الرسول صلى اللّه عليه وسلم ذلك ، وقال لأصحابه معترضا على إلحاحهم عليه بممارسة هذا الأسلوب تجاه المنافقين « فكيف بالعرب إذا قالت إن محمدا يقتل أصحابه ؟ » ، وهذا حق ، فهم على المستوى السياسي والقانوني من أتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وما دام أي منهم لم يمارس عملا ( جرميا ) محددا فإن من الصعوبة بمكان عزله أو قتله . . وخلال العودة من تبوك ، حين أراد بضعة عشر منافقا أن يمكروا بالرسول صلى اللّه عليه وسلم ويطرحوه من عقبة في الطريق ، وعرض عليه بعض أصحابه أن يقطعوا رؤوسهم ، أجابهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم : إني أكره أن يقول الناس إن محمدا لما انقضت الحرب بينه وبين المشركين وضع يده في قتل أصحابه . وعندما قال له أسيد بن حضير : يا رسول اللّه فهؤلاء ليسوا بأصحاب ، أجابه الرسول صلى اللّه عليه وسلم : أليسوا يظهرون شهادة ألاإله إلا اللّه ، أليسوا يظهرون أني رسول اللّه ؟ قال : بلى ، ولا شهادة لهم ، قال : فإني نهيت عن قتل أولئك « 1 » . وكان بديل هذا الأسلوب ، شيئا نادرا في تاريخ الدعوات . تتبع الرسول صلى اللّه عليه وسلم خطط المنافقين وتخريبهم بيقظة كاملة ، ولم يحدد أسلوبا ( ثابتا ) في مجابهة مواقفهم ( المتلونة ) ( المتغيّرة ) ، وإنما راح يضع لكل حالة خطة تتناسب تماما وحجم المحاولة التخريبية ، وتكبتها قبل أن تجيء بثمارها المرة ، وقبل أن تزرع شوكها في طريق الدعاة . . ومن وراء الرسول صلى اللّه عليه وسلم آيات القرآن الكريم تتنزل من اللّه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، محللة التكوين النفسي
--> ( 1 ) الواقدي 3 / 1042 - 1044 ، المسعودي : التنبيه والإشراف ص 236 .